عبد الله بن محمد المالكي
120
رياض النفوس في طبقات علماء القيروان وأفريقية وزهادهم ونساكهم وسير من أخبارهم وفضائلهم وأوصافهم
المؤمنين ، فهنئ بذلك ، « وأما الثانية فإن كتاب ابني « 8 » قدم علي بأنه فتح له بالأندلس فتح عظيم » ، فأمر بكتاب ابنه فقرئ فهنئ بذلك ، « أما الثالثة فما صحبتني في مقدمي هذا من الأموال والسبي من الأندلس » ، فهنئ بذلك ، وعلي بن رباح اللّخمي التابعي ساكت « 9 » وكان علي راوية ابن عباس وأبي هريرة . فقال له موسى : « مالك يا علي لا تتكلم ؟ » فقال : « أصلح اللّه الأمير ، قد قال القوم » فقال : « وقل أنت أيضا » فقال : « أنا أقول ، وأنا أنصح القائلين لك ، إنه ما من دار امتلأت حبرة « 10 » إلا امتلأت عبرة ، وما انتهى شيء إلا رجع ، فارجع قبل أن يرجع بك » . قال : فانكسر موسى بن نصير وخشع . ثم التفت ففرق جواري « 11 » عدة . فكان موسى بعد ذلك إذا مر بخربة عادية ، أو مدينة من مدائن الأولين ، نزل وركع ركعتين ومشى فيها وفكر في معالمها وفي آثارها ثم بكى بكاء كثيرا ثم يركب . ذكر أن الناس قحطوا ، فخرج موسى بالناس فاستسقى وأمر رجلا يصلي بالناس وخطب بهم ثم أخذ في الدعاء للوليد وأكثر ، فأرسل إليه موسى : « إنا لم نأت لذلك ، فاقبل على ما قصدنا إليه ، وجلسنا من أجله » ، فلم يلتفت إلى كلامه ، وتمادى على حاله رجاء أن يبلغ ذلك الوليد فينال عنده منزلة ، فأمر به موسى فسحب حتى أخرج من بين الناس ، ثم قام موسى فأخذ في الدعاء والتضرع إلى اللّه عزّ وجلّ واللّجإ « 12 » إليه ، فما برح الناس حتى أمطرت السماء بماء كأفواه القرب ، قال : فأتي موسى بدابته فقال : « [ لا ] « 13 » واللّه لا أركب ، ولكن أخوض في هذا الطين » . فانصرف ماشيا ، ومشى الناس معه . قال : فسمع يومئذ وهو يقول : « أسألك شهادة في سبيلك ، أو موتة في بلد نبيك » ، يردّد ذلك . فاستجاب اللّه تعالى دعاءه ، فتوفي بالمدينة متوجها إلى الحج ، واستجاب اللّه عزّ وجلّ دعاءه ودفن بالمدينة . ونفعه اللّه عزّ وجل بموعظة أبي عبد اللّه بن رباح ، فصغرت عنده الدنيا وما فيها ونبذها وانخلع مما كان فيه من الإمارة .
--> ( 8 ) في الأصول : أبي . والمثبت من المصدرين المذكورين . ( 9 ) جاء في الأصل : نسخة « وعلي بن رباح اللّخمي التابعي ساكت » . وفي نسخة « وأبو عبد اللّه ساكت » . ( 10 ) الحبرة : النعمة وسعة العيش . النهاية في شرح غريب الحديث ( حبر ) . ( 11 ) في الأصل : جوائز . والمثبت من ( م ) . وعبارة البيان : وفرق جواريه . ( 12 ) كذا في الأصل . وفي ( م ) : الالتجاء . ومعناها واحد . ( 13 ) زيادة من ( م ) .